المقال بقلم توبي جونس مدرس تاريخ الشرق الأوسط في جامعة روتجرز الأمريكية والدكتورة آلاء الشهابي المحاضِرة البحرينية في علم الاقتصاد

03 يناير, 2012 مُترجِم 14 فبراير: أصبحت حركة الرابع عشر من فبراير في البحرين رمزاً للصمود والثبات .. وأصبحت القوة السياسية الأقوى في البحرين. هذا الاتحاد الذي يضم شبكات منظمة بشكل غير محكم والذي سُمِّيَ على تاريخ بداية ثورة البحرين هو مجهول وسري. عشرات الآلاف من مؤيديه تركوا القيادة الفاشلة للمعارضة السياسية الأفضل ثباتاً ولكن المتوانية. لقد عانوا من أكثر ما قام به النظام، ولقد تجاوزوا أسوأ ما طبَّقه حتى الآن.

أكثر المراقبين في الخارج وخصوصاً صُنَّاع القرار السياسي الذين يتفاءلون بأن احتمالية حدوث حل سياسي لا تزال قائمة أهملوا بشكل خاطئ حركة الرابع عشر من فبراير أو اعتبروها غير ذات علاقة. الحكومة البحرينية غير مهتمة بالإصلاح والمصالحة، لقد تجاهلت النداءات بوضع نهاية لاعتدائها على القوى المناصرة للديمقراطية، وفي الأسابيع القليلة الماضية قامت في الحقيقة بتشديد حملة القمع التي تقوم بها. قوات الأمن قامت مرة أخرى بمحاصرة العديد من القرى الفقيرة في البلد، وهي مكان سكن معظم المنتمين للأغلبية الشيعية وللحركة المناصرة للديمقراطية في البلد. قُتِلَ العديد من الأشخاص بواسطة الشرطة في الشهر الماضي، وأصبح الغاز المسيل للدموع الكثيف والخانق شيئاً أساسياً في كافة أنحاء الجزيرة. هذا التحول الأخير للأسوء يأتي فقط بعد أكثر من أربعة أسابيع بقليل بعد أن أطلقت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق -والتي يرأسها السيد المحترم شريف بسيوني- تقريرها الذي اتهم الحكومة وقوات الامن باستخدام القوة المفرطة في التعامل مع احتجاجات الشوارع التي حدثت في الربيع. الكثيرون تمنُّوا بأن التقرير سوف يشير إلى فرصة جديدة للقوى السياسية المتنافسة في البحرين لتجتمع معاً وتصوغ طريقاً للعبور بالبلاد من أزمتها. من المحزن أنه لا الحكومة ولا التيار الرئيسي في المعارضة ارتقيا لمستوى الحدث، وبالنتيجة؛ تتجه الأزمة السياسية في البلد لأن تصبح أسوء، وتغيب فرص الإصلاح عن الأنظار.

كان بالإمكان تجنب هذه الأزمة.في وقت سابق من هذه السنة (2011)، أكثر الداعمين لحركة الرابع عشر من فبراير نادوا بإجراء إصلاحات سياسية وتغييرات كان ستبقي -بالنسبة لجزئها الأكبر- هيكل السلطة في البلد في مكانه. هذه الحالة لم تعد قائمة بعد الآن، والسبب بشكل جزئي هو غرائز التدمير الذاتي السياسية التي تمتلكها الحكومة وتعاملها السيء لشؤون البلد، فقويت الدعوات لإسقاط عائلة آل خليفة الحاكمة وحصلت على دعم أكبر واكتسبت الشرعية. وبينما تتجه حركة الرابع عشر من فبراير في هذا الإتجاه الأكثر ثوريةً، فإنها ستسحب على الأرجح بقية المعارضة معها. مستقبل البحرين سيتم تحديده عن طريق اختبار للإرادات بين حكومة غير راغبة في استيعاب التغيير وحركة شبابية مُسيَّسة بشكل متزايد وغير راغبة في الاستسلام.

النظام البحريني أثبت على الدوام أنه غير قادر على فهم ومحاربة حركة الرابع عشر من فبراير. الدافع الذي كان وراء ثورة البحرين ووراء تأسيس حركة الرابع عشر من فبراير اللا مركزية ولكن المنضبطة والمنظمة بشكل كبير في الفترة الحالية كان قد تشكَّل لأول مرة في الموقع الإلكترونيbahrainonline.org -ملتقى البحرين-. المنتدى الذي أطلقَ في عام 1998 يستقبل أكثر من مئة ألف زيارة في كل يوم وكان منذ فترة طويلة مصدراً للنشاط السياسي. في الشتاء الأخير؛ قامت مجموعة غير محكمة من نشطاء الإنترنت المناهضين للحكومة باستخدام صفحات الموقع بالإضافة إلى موقعي فيسبوك وتويتر وقاموا بشكل جماعي بتنظيم حركة احتجاج اجتماعية.

لقد كانت هذه الحركة هي التي ألهمت عشرات الآلاف من الناس للاحتشاد عند دوار اللؤلؤة في العاصمة المنامة في شهري فبراير ومارس. المتظاهرون طُرِدُوا بشكل عنيف عدة مرات، أولاً في السابع عشر من فبراير وبعد ذلك مرة أخرى في منتصف شهر مارس عندما وصلت القوات العسكرية السعودية والإماراتية لدعم النظام البحريني. قام النشطاء -متحفِّزين من دعم الشارع الهائل لهم في فبراير ومارس- بالنزوح إلى الأشكال الأكثر تقليدية من التنظيمات الشعبية وصاغوا شبكة عملت كمظلَّة، والتي تعرف باسم "ائتلاف شباب الرابع عشر من فبراير". يعمل الائتلاف بصورة منظمة تعاونية أكر مما يعمل بصورة منظمة تقليدية، فهو يعتمد على قاعدة واسعة من المؤيدين والذين يقومون في البداية بتوليد أفكار للمعارضة أو أنواعاً معينة من الأنشطة في منتديات رقمية مختلفة. وبمجرد تحقيق توافق في الآراء؛ يتجه الأعضاء للقيام بحملة شعبية. وفي كل احتجاج يحدث في الفترة الحالية؛ اللافتات التي تحمل الشعارات الثورية تُزيَّن أيضاً بشعار "الائتلاف" الصغير. إدراج الشعار ليس رمزاً للانتماء فقط؛ ولكنه إشارة أيضاً لقوة اللامركزية ولقوة المجتمع، وهو مثال على النوع الجديد من سياسة الجماهير والذي اجتاح المنطقة بشكلٍ عام.

منذ الربيع؛ توسَّعَ تمرُّس وامتداد وتأثير الحركة. في الواقع؛ شباب الرابع عشر من فبراير لم يركِّزوا فقط على إدامة الحركة الاحتجاجية؛ ولكنهم يقومون بتصعيدها على نحوٍ متزايدٍ أيضاً. فبينما تم تدمير دوار اللؤلؤة الذي كان نقطة التجمع الرئيسية للمحتجين؛ تستمر الحركة الاحتجاجية في العيش. الثوار البحرينيون لم يُقمعوا ولم يُسحقوا، ولكنهم بالأحرى أصبحوا مشتتين. ففي حين أنهم لم يستطيعوا التجمع بصورة جماهيرية كبيرة إلا أن قوتهم في التحشيد على المستوى الوطني لا تزال قوية. الحركة قامت بنجاح بتنظيم احتجاجات أسبوعية وذلك بتنسيق الجهود بين العديد من القرى البحرينية الصغيرة، كما أن الحركة ظلَّت ملتزمة أيضاً بشكلٍ جريءٍ بالاحتجاج السلمي، وهذا الأمر لافت للنظر بشكل خاص بما أن الحكومة كرَّست جهوداً ومصادراً كبيرة من أجل قمع القرى بعنف وعزلها وفرض نطاق أمني صارم يقيِّد قابلية الحركة وقدرة الناس على التنظيم بشكل أوسع.

أظهرت حركة الرابع عشر من فبراير قوتها في التحشيد مراراً وتكراراً، ففي أواخر شهر سبتمبر قامت بإلهام النشطاء الذين حاولوا اختراق النطاق الأمني لإعادة الاحتشاد في دوار اللؤلؤة. المتظاهرون تم صدهم بواسطة التجهيزات الأمنية المشددة، ولكنهم أظهروا تصميمهم في المواصلة لاختبار ثبات الحكومة. شباب الرابع عشر من فبراير أبقوا على جدول احتجاج أسبوعي (تحت عنوان "تقرير المصير")، ووافقوا على أنواع أخرى من العصيان المدني، ففي شهر سبتمبر أطلق نشطاء حملة عُرِفت باسم "طوق الكرامة" هدفها عرقلة الحركة المرورية بالسيارات في كافة أنجاء البلاد، وتم تكرار الحملة لعدة مرات في الخريف. وفي شهر أكتوبر؛ شارك الآلاف من النشطاء في عمل رمزي للمعارضة، والذي استطاعوا فيه تجنب قوات الأمن بنجاح ونقلوا ما يزيد عن خمسة عشر "شعلة حرية" من قرية محاصرة إلى أخرى. أهالي القرى قاموا أيضاً بحرق الإطارات جاعلين سماء البلد سوداء اللون عندما أثبِتَ أن كل شيء ما عدا ذلك هو مستحيل. وفي الآونة الأخيرة؛ دعى التنظيم إلى ما تحوَّل إلى أكثر أيام الاحتجاج اتساعاً منذ أشهر، فاليوم الذي اعتبر كـ "حركة حاسمة" والذي بدأ كيوم منسق لنزهات العوائل خارج أبواب منازلها تصاعد إلى دعوة للجميع للذهاب إلى الشوارع الرئيسية.

النشطاء كانوا قد نجحوا مؤخراً أيضاً في تدمير جهود قوات الأمن في أن يقوموا باحتوائهم في القرى، حيث انتشر مقطع فيديو لاحتجاج حدث في مجمع ستي سنتر وهو أكبر سوق للبيع بالتجزئة في البلد والقريب من فندق ريتز كارلتون. في شهر ديسمبر قامت الحركة بتنظيم محاولة لاحتلال أحد الشوارع الرئيسية في البلد وهو شارع البديع السريع، وهي المحاولة التي تم استلهامها بشكل جزئي من حركة "احتلوا" الدولية. الاحتجاج والذي ربما كان ليمر بدون ملاحظة في خارج البحرين قد حظي باهتمامٍ دولي لأن قوات الأمن قد تم تصويرها بالفيديو وهي تقوم باعتقال ناشطة شابة بارزة ومعاملتها بقسوة، وهي زينب الخواجة ابنة الناشط الحقوقي عبدالهادي الخواجة الذي حُكِمَ عليه بالسجن المؤبد في وقتٍ سابقٍ من هذا العام.

لقد أُثبِتَ أن سرية حركة الرابع عشر من فبراير هي ضرورة سياسية. في شهري فبراير ومارس؛ دعا السماسرة السياسيون من النظام والمعارضة التقليدية كالوفاق زعماء حركة الرابع عشر من فبراير إلى التعريف بأنفسهم وإعلان مطالبهم. القيادة المتفرقة للحركة رفضت وهي مشككة وخائفة من أن الإدلاء بتصريح رسمي سيؤدي إلى سجنها، وتم إثبات أن تحفظهاكان حكيماً، فمنذ شهر مارس قُتِلَ أكثر من 40 شخص واعتقل حوالي 3 آلاف شخص، وطُرِدَ الآلاف من وظائفهم. وبالأخذ بالاعتبار أن الحركة الثورية اكتسبت قوةً وازدهاراً بالرغم من القمع؛ يبتهج العديد من البحرينيين لأن الحكومة في اعتقادهم أخفقت في اعتقال الأشخاص المناسبين. قوات الأمن احتجزت نشطاء بارزين، ولكنها فشلت بالكامل في فهم طبيعة الحركة وقدرتها على التجديد.

مرونة الثوار كانت ذات كلفة أيضاً، فلأن النظام كان غير قادر على السيطرة على الحركة الاحتجاجية فضلاً عن تحديد قيادتها، فقد قام بالنظر لكل شخص على أنه تهديد له، والنتيجة كانت فرضية الذنب الجماعي وضريبة العقاب الجماعي، حيث ينظر النظام ومؤيدوه لكل سكان القرى على أنهم خونة مُحتَملين، وهو جزء من المنطق الذي غذَّى رغبته في الانتقام. وبينما أعطت حركة الرابع عشر من فبراير بثبات الأولوية للمقاومة السلمية، لم يقم النظام بأي وعد إزاء ذلك، حيث تواصل قوات الأمن استخدام مختلف الوسائل من بينها الاستخدام المكثف للغاز المسيل للدموع لتفريق الاحتجاجات ولمعاقبة فئات المجتمع بأكملها.

حركة الرابع عشر من فبراير تحدَّت سلطة المعارضة السياسية التقليدية أيضاً، خاصةً الوفاق أكبر جمعية شيعية في البلد. الوفاق واصلت الدعوة إلى القيام بإصلاحات سياسية رداً على الأزمة السياسية، ولكنَّها أخفقت في إقناع الحكومة لتقديم تنازلات جديَّة كما أنها أخفقت في إقناع مؤيدي حركة الرابع عشر من فبراير بأن الإصلاح لا يزال ممكناً. وبينما تفضِّل الوفاق حلاً توافقياً، إلا أن قادتها يفهمون بأن أي محاولة للعمل مع الحكومة لوحدهم ستؤدي إلى تهميش الشباب وبالتالي إلى تقويض سلطتها هي. ونتيجةً لذلك؛ أُجبِرَت الوفاق على لأن تكون تابعة لهم، وبينما يتصاعد العنف؛ ستُوضَع الوفاق أخيراً في موقع يتحتم عليها فيه أن تعيد تقويمها فيما إذا كانت ستبقى إصلاحية أو أنها ستصبح قوة ثورية.

ولأن حركة الرابع عشر من فبراير تتعهد بوضوح بحدوث تغيير سياسي كاسح؛ فإن الشبكة مصطفَّة أكثر مع الشخصيات المعارضة الموجودة حالياً في السجن، والتي من بينها حسن مشيمع وعبدالجليل السنكيس وإبراهيم شريف أكثر من اصطفافها مع الوفاق. العديد من البحرينيين يعتقدون أنه فقط أولئك الذين في السجن يمارسون تأثيرهم على شباب الرابع عشر من فبراير. ولهذا؛ فإن أي صفقة تستثنيهم أو يتم إنجازها من قبل الوفاق عن طريق حوارها لوحدها مع الحكومة سيتم تجاهلها من قبل الشباب وستستمر الاحتجاجات.

هناك أخطار بالنسبة للحكومة ومؤيديها في مواصلة إهمال جوهر مطالب حركة الرابع عشر من فبراير. وبالرغم من أنهم بقوا في غالب الأوقات ملتزمين بالسلمية، إلا أن الشباب يتطرَّفون ويتطلَّعون بشكل متزايد إلى إثارة المواجهات مع قوات الأمن. ولكن التحول للعنف ليس حتمياً، فمهما كانت الخيارات التي تتخذها حركة الرابع عشر من فبراير حول الوسائل المتخذة، وبالنظر إلى قوتهم المتنامية، فإن ميراث جهودهم سيكون مع البحرين لمدة جيل. وسيتم إثبات أن إيجاد تسوية سياسية ترضيهم وتنهي الاحتجاجات سيكون صعباً مالم يتم التصدي للقضايا الرئيسية التي تقوم بتحشيدهم، ومنذ أن فشل القمع؛ تبقى ثورة البحرين حيَّة.

رابط المقال: mideast.foreignpolicy.com