النيابة العامة تستمر في نهجها كخصم غير شريف بالتستر على التعذيب والجرائم الإنسانية التي تقوم بها أجهزة الأمن

27 مارس 2012

يعبر مركز البحرين لحقوق الإنسان عن قلقه لاستمرار حالات الاختطاف والإعتداء على الأطفال من قبل منتسبي أجهزة الأمن ورجال الشرطة السرية في البحرين. ومما يضاعف القلق حماية السلطات البحرينية لمنتهكي حقوق الإنسان والمعتدين، ومساعدتهم على الإفلات من العقاب عبر تفادي إجراء تحقيقات جدية في حوادث الاعتداء وبتعاون كامل من طرفي النيابة العامة والجهاز القضائي. وكثيراً ما يكون الضحايا من الأطفال وهو انتهاك مباشر لتعهدات البحرين بحماية وضمان حقوق الطفل بما في ذلك الحق في الحماية من الاعتداء الجسدي[1] . ففي صباح الأربعاء 21 مارس 2012 علم مركز البحرين لحقوق الإنسان بحادثة اختطاف والاعتداء على الطفل علي عبدالشهيد السنكيس (16 عاماً) ، للمرة الثالثة في غضون شهر واحد[2]، بعد أن عثر عليه شهود عيان ملقىً بأحد الكراجات الواقعة بالقرب من مأتم بن خميس بمنطقة السنابس التي تشهد احتجاجات متواصلة. وبحسب إفادة والده كان السنكيس متجهاً إلى مدرسته في حدود الساعة السابعة صباحاً، وتم اختطافه في الشارع من قبل سيارة مدنية تقل 3 أشخاص، قيدوا يديه بالأصفاد البلاستيكية، واعتدوا عليه بالضرب حتى أغمي عليه. وعند وصول سيديوسف المحافظة -مسئول الرصد بمركز البحرين لحقوق الإنسان- كان السنكيس لا يزال فاقداً للوعي، ومقيد اليدين، بدون ملابسه الداخلية وينزف دماً، كما بدت على جسده جروح على ذراعيه وفخذيه وبطنه. وبعد أن أفاق من غيبوبته أفاد السنكيس بأن ركاب السيارة السوداء من نوعية (تيدا) كانوا من أفراد الشرطة السرية "المخابرات" الأجانب، وأحدهم عربي الجنسية، وأنهم قد اعتدوا عليه بالضرب بالسكين و اللكمات، كما قاموا بالتحرش الجنسي به بعد نزع ملابسه بواسطة اللمس ووضع الخرطوم البلاستيكي الأسود على عورته عدة مرات، وكانوا يحاولون الاعتداء عليه جنسيّاً إلا أنه قاومهم[3] .

آثار الإعتداء على جسد السنكيس، تم التقاط الصور في 21 مارس 2012

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم الاعتداء فيها على السنكيس بل هي المرة الثالثة، حيث كان الاعتداء الأول عليه في 16 فبراير وتعرض للاختطاف والضرب بالسكين[4] من قبل منتسبي الأجهزة الأمنية السرية "المخابرات" وطلبوا منه العمل كمخبر معهم ونتيجة لرفضه تم ضربه والاعتداء عليه بالسكين هذا وقد وثق مركز البحرين عدة حالات اختطاف مشابهة طيلة الأشهر الماضية.

صورة تبين آثار الضرب والاعتداء الذي تعرض له علي السنكيس عند اختطافه في مرة سابقة، تم التقاط الصورة في 28 فبراير 2012

وقام والد الطفل بالتوجه لمركز شرطة أرض المعارض في نفس يوم الحادثة 21 مارس 2012 لتسجيل شكوى ضد رجال المخابرات المعتدين على إبنه، إلا أن الاسئلة وطبيعة التحقيق الذي قاده الضابط وليد البوفلاسة لم يبد أنه مهتماً بتحديد هوية المعتدين بل بتبرئة منتسبي الداخلية. وجرى عرض الطفل على النيابة العامة والطبيب الشرعي في اليوم ذاته حيث استمر التحقيق معه حتى وقت متأخر من مساء الأربعاء، ولم يبدِ وكيل النيابة الجدية في التحقيق بدوره إذ أطلق تعليقات سخرية بالطفل المعتدى عليه واصفاً قصته بأنها تنافس "قصة شارخون"، بطل الأفلام الهندية وفي ذلك مخالفة للمادة (12) من اتفاقية حقوق الطفل والتي تنص على حق الطفل في الحصول على فرصة الاستماع إليه في أي إجراءات قضائية وإدارية تمس الطفل، إما مباشرة، أو من خلال ممثل أو هيئة ملائمة، بطريقة تتفق مع القواعد الإجرائية للقانون الوطني. أما ضابط مركز شرطة المعارض فقد هدد الطفل السنكيس بأنه إذا "أتهم الحكومة" فسوف يتم توريطه بقضية مرتبطة باعتقاله السابق (في يناير 2011)، أو بقضية حرق سيارة شرطة، كما قام البوفلاسة بعرض صور لأحد النشطاء وطلب من السنكيس أن يوقع على إفادة بأن هذا الناشط هو من تحرش به، مع تهديده بأن يكون السجن مصيره فيما لو رفض.

وجاء في بيان النيابة العامة الذي أصدرته مساء الجمعة 23 مارس 2012 أن الطفل السنكيس قد افتعل الإصابات بنفسه، وتم توجيه تهمة البلاغ الكاذب إليه، مغلقة بذلك باب التحقيق في القضية، بتحويل الضحية إلى متهم[5] . بينما أفادت المحامية فاتن الحداد أنه "توجد العديد من الإصابات في جسم علي السنكيس ومن الاستحالة أن يتمكن هو من الوصول لها وجرح نفسه حسبما أفاد الطبيب الشرعي". هذا وأثارت هذه الحادثة المزيد من التأجج والغضب الشعبي متمثلاُ في خروج عدة مسيرات استنكاراً على انتهاك حقوق الطفل ولكن سرعان ما تدخلت الجهات الأمنية وقمعت هذه المسيرات السلمية دون مبرر.

ويشير مركز البحرين لحقوق الإنسان إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها التي يتم فيها الضغط على أطفال بالإعتداء والتهديد لتجنيدهم للعمل مع الأجهزة الأمنية للسلطة[6] ، كما أن حوادث اختطاف الأطفال والاعتداء عليهم بالضرب والتحرش الجنسي قبل رميهم في أماكن معزولة تكررت في الأشهر الماضية وقد سجل المركز بعضها في تقريره الأخير عن التعذيب خارج أماكن الاحتجاز الرسمية[7] .

ويرى مركز البحرين أن التحقيق السريع وغير الجاد الذي جرى في قضية الطفل السنكيس وتحويله من ضحية إلى متهم هو تكريس لسياسة الإفلات من العقاب التي تعمل بها السلطات لحماية منتهكي حقوق الإنسان من منتسبي الأجهزة الأمنية، في الوقت الذي تزعم فيها القيام بإصلاحات في جهاز الشرطة. وهو ما يكرس غياب الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية التي غالباً ما تعمد إلى عرقلة إجراءات رفع الشكاوي حين تتعلق بشكوى ضد منتسبي الأجهزة الأمنية، ففي قضية الاعتداء على الحقوقي نبيل رجب في يناير 2012 قامت النيابة بإغلاق القضية بزعم عدم حدوث اعتداء وفي قضية اختطاف الطالبة الجامعية زهراء الجلاوي من جامعة البحرين في سبتمبر الماضي تم إحالتها للمحاكمة بتهمة البلاغ الكاذب[8] ، في حين تعرض الحاج عبدعلي محمد لمضاعفة إطلاق الغازات على منزله بعد تقدمه بشكوى في مركز الشرطة، وهو الأمر الذي أدى لوفاته لاحقاً في فبراير 2012. من الواضح أن السلطات الأمنية تنتهج اسلوباً انتقامياً في التعامل مع مقدمي البلاغات بهدف ثني الناس عن التقدم بشكاوي في حال تعرضهم للإنتهاكات.

الحكومة البحرينية هي من الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تنص مادتها 37 (أ) "لا يجوز إخضاع أي طفل للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" في حين أن وزارة حقوق الإنسان تعلن الالتزام بالقواعد والأنظمة المعمول بها في الاتفاقية، إلا أن الحقوق الأساسية للأطفال في البحرين تنتهك بوحشية من قبل قوات الأمن دون أي إجراءات من السلطات لوضع حد لهذه الانتهاكات.
بناءاً على ما سبق يطالب مركز البحرين لحقوق الإنسان بالتالي:

- ضرورة توفير الحماية الكاملة للطفل الضحية علي السنكيس وأسرته، وتحميل الجهات الأمنية مسؤولية أي انتقام قد يتعرض له وأسرته. - التوقف الفوري عن استخدام النيابة العامة كخصم غير شريف يباشر القضايا على أسس سياسية ومنهج الإنتقام من المواطنين المحتجين على سياسة السلطات عبر الإنحياز والتستر على جرائم أجهزة الأمن. - إجراء تحقيق عاجل ومحايد في قضية الاعتداء على الطفل علي السنكيس وتقديم المعتدين عليه على القضاء العادل والنزيه. - إيقاف سياسة الإفلات من العقاب وحماية القائمين على انتهاكات حقوق الإنسان وتقديمهم للعدالة، بما في ذلك كبار مسؤولي الدولة الذين إن لم يشرفوا على الانتهاكات مباشرة فهم متورطين في حماية المنتهكين. - إيقاف كافة أشكال الاعتداءات على الأطفال في القرى البحرينية ولاسيما محاولات تجنيدهم واستغلالهم للعمل لدى الأجهزة الأمنية. - توفير الرعاية الكاملة لجميع ضحايا الانتهاكات خصيصا من الأطفال وقضايا الأحداث وتزويدهم بتعويض مناسب والعلاج المطلوب. - الالتزام بالتعهدات التي قطعتها البحرين عند توقيعها إتفاقية الطفل الدولية واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان حق الطفل في الحماية من التعذيب وضروب المعاملة القاسية، بخاصة من قبل موظفي السلطة.



---

‬‬‬‏